كيف تتعامل مع المشاكل ؟

دعني أسألك، كيف تعرف نفسك وتصفها؟ هل سبق وناداك أحدهم بصفة ما أو تعرضت للتنمر مما جعلك تشعر أن هناك شيء ما خطأ فيك؟ هل تشعر أن هذه الفكرة ملتصقة بك ومن خلالها تحكم على نفسك وتحددها ؟

دعنا نتوقف هنا للحظة، اسأل نفسك فيما إذا كانت هذه الأفكار صحيحة، هل هي حقيقة بالفعل أم أن عقلك الباطن يظنها كذلك ؟ هل تقوم بتكرار هذه الفكرة مراراً وتكراراً حتى أوشكت على تصديقها؟

علينا أن نعي تماماً تلك القصص التي نرويها لأنفسنا وكيف نخاطب عقلنا الباطن، إنه الوعي الذاتي، حتى اللغة التي نستعملها في عقلنا عندما نلوم أنفسنا ونوبخها ، هل هي لغة قاسية؟ هل هي حقيقية؟ هل حقاً نستحق جلد الذات وتأنيبها ولومها على أفكار زرعها الآخرون فينا؟ ما مدى صحة هذه الاتهامات التي نرمي بها أنفسنا ؟ هل نستعمل لغة قاسية في وصف ذاتنا بصفات كريهة أو بشعة؟ لماذا؟

صدقوني إذا قلت لكم أن كل ما نقوله لأنفسنا ونصدقه، نصبح كذلك بالفعل.

قناعاتك الذاتية عن نفسك قد تسبب لك الكثير من الألم والتوتر والقلق، وقد تقيد تفكيرك وتقدمك في الحياة العملية والشخصية على السواء.

تجربة طلاق والدي عندما كنت صغيرة صدمتني عاطفياً وغيرتني، حاولت أن أكون قوية لأجل والدتي، لأجل والدي، ولكن في داخلي لم أكن أعرف كيف أتعامل مع مشاعري أنا، كنت أشعر بالأسى لأجل أمي بل كدت ألوم نفسي وألوم إخوتي على انفصال والديّ، هل الذنب ذنبي؟ هل هو ذنب إخوتي؟ كنت أمر بنوبات من الهلع والخوف والشك بنفسي وبأسرتي، قضيت أياماً وليالٍ في بكاء متواصل، في حين عبر كل من إخوتي عن حزنه بطريقته، وأنا أقاوم هذا الصراع الداخلي بين الانسحاب من الواقع أو البقاء للمواجهة، وإن بقيت فمن يتحمل الذنب إذاً ؟ لابد من إلقاء اللوم على أحد!

لم يكن أحد من الأهل أو الأقارب يعي قدر المعاناة التي كنت أمر بها أنا وإخوتي على حد السواء، وفي مجتمع منغلق في أحد أحياء دمشق، لم تكن البيئة تشجع على طلب المساعدة أو الدعم النفسي من طبيب أو مختص، كان علي تجاوز أزمة المشاعر هذه وحدي، كبرت وعرفت أن ما كنت أمر به في سنوات المراهقة كان بالتأكيد بحاجة إلى انتباه ووعي أكبر، ولكني في ذلك الوقت دفنته بداخلي كي لا أحمل والدي المزيد من الألم.

قد تكون العلاجات النفسية والدوائية في حالات القلق والهلع ضرورية، ولكن علاج السبب وراء هذه النوبات أهم بكثير من معالجة أثرها بشكل مؤقت.

السبب وراء هذا القلق هو نظرتنا لأنفسنا، قلقنا على ما كان وما سيكون، وعدم ثقتنا في قدرتنا على مواجهته، إذا كنت تقرأ هذه السطور وتشعر بنفس الإحساس، فأنت لست وحدك.

Rim Daghmash; from Snapchat

لتوضيح ما هو واضح: من السهل أن تكون سعيدًا عندما تسير أمورك على ما يرام. من المعروف أن المواقف الإيجابية تعمل على رفع حالتنا المزاجية ، بينما تعكس المشاعر السلبية كالقلق والتوتر حالة نفسية سيئة لدى أغلبنا، فهل هذه المواقف السلبية كفيلة بتحديد وجهتنا وطريقنا في الحياة؟ وإن كانت قد رسمت لما ملامح الواقع الذي نعيشه، فماذا عن المستقبل ؟

تعلمت من خلال المواقف السلبية والمشاكل التي مررت بها في حياتي ( وما أكثرها) أن الأشخاص السعداء هم الذين يجيدون التعامل مع المشكلات بطرق تساعدهم على الحفاظ على مزاجهم ، وفي نفس الوقت يستمرون في التعامل مع المشكلات بفعالية.

قال لي أحدهم مرة في تعليق على أحد مقاطع الفيديو الايجابية التي نشرتها على صفحتي في فيسبوك، أنت لا تعلمين حجم معاناتي ، كيف لفتاة مرفهة مثلك أن تعرف أو تشعر بمعاناة الآخرين؟ إن كنت أبدو لك مرفهة جداً فأنا لست كذلك، أو على الأقل لم أكن كذلك طوال حياتي ، شعرت أنني لا يمكنني اختصار حياتي ومشاكلها كلها في سطر واحد أشرح فيه الماضي والحاضر، والأهم من ذلك، لم أجد الرغبة في تبرير موقفي، فوراء هذه الرفاهية الظاهرة خلاصة من التجارب الصعبة حقاً والمواقف السلبية والآمال المتكسرة والمشاعر الجريحة والكثير الكثير من الألم والذكريات.

لذلك كان من المستحيل أن تحكم على شخص ما من مظهره، لأنك لم تلبس حذاءه يوماً، ولا تدري بأي أرض كان وفي أي طريق سار، لن تدرك ما مر عليه من مآسي وعبرات إلا إذا عشت حياته وظروفه. ولهذا السبب أيضاً يقول المثل: كن لطيفاً، فكل شخص تقابله في الحياة يقاوم معركة أنت لا تعرف شيئاً عنها، حرفياً، هذا صحيح وواقعي، حتى أكثر الأشخاص رفاهية لديهم مشاكل . لا تتفاجأ.

هناك ثلاثة أشياء أساسية تعلمتها للتعامل مع مطبات الحياة، هذه الأشياء قد تحدد مستقبلك وما ستكون عليه، انتبه لها جيداً:

التركيز على المستقبل:

البداية هي أن تفهم المشكلة التي تواجهها ، وبالتالي تحلل الموقف. ولكن لا تستمر في التركيز على المشكلة لفترة طويلة. لا تجتر مشكلتك – الاجترار هو تكرار الأفكار السلبية أو التفكير في شيء ما حدث بشكل خاطئ مراراً وتكراراً.

بدلاً من ذلك ، تطلع إلى المستقبل. هناك فائدتان لهذا: الفائدة الأولى هي أن مستقبلك لم يتحدد بعد ، وبالتالي يمكنك أن تكون متفائلاً بشأن الأشياء القادمة، حتى وإن كان واقعك يعدك بعكس ذلك.

والفائدة الثانية هي أن تتطلع إلى جعل المستقبل أفضل من الماضي ، مما يخلق بداخلك الأمل – بغض النظر عن شكل ظروفك الحالية.

فكر في ما يمكنك السيطرة عليه فقط:

في أي لحظة نمر بها، يكون للموقف والزمان والمكان الذي نعيش فيه قدرًا من التحكم في خياراتنا. فعندما تكون جالسًا في سيارتك أثناء توقف المرور ، على سبيل المثال ، ليس هناك الكثير مما يمكنك فعله إلا الانتظار، ستنتظر حتى تبدأ السيارات من حولك في التحرك لكي تتحرك . مقدار سيطرتك على الموقف محدد بظرفية الزمان والمكان، فإذا خرج الزمان والمكان عن حدود السيطرة، ابحث عن ما تستطيع تغييره فقط، ولا تتخذ قرارات أكبر من سيطرتك، لأن هذا سيزيد من شعورك بالخوف والقلق، وقد تبدو لك مشاكلك حينها مستحيلة الحل.

يبحث الأشخاص السعداء عن الأشياء التي يستطيعون تغييرها عند ظهور المشاكل. لذا كن أكثر اهتمامًا بما يمكنك فعله للتأثير على الموقف ، بدلاً من التركيز على جميع الخيارات التي أغلقت أمامك بسبب ما حدث. التركيز على إمكانية الفعل أمر مهم ، لأنه يوفر الأساس لوضع خطة لحل المشكلة. وكلما تم التعامل مع المشكلة بشكل أسرع، كلما قل شعورك بالإجهاد والتعب.

اعرف متى تتجاهل

ستواجهك أحياناً مشكلات كبيرة لا يمكنك حلها. ربما يكون هناك عميل لا يرضى أبدًا عن العمل الذي تقوم به. ربما هناك شيء ما تحاول تنفيذه ولا يبدو أنه سيحقق النتيجة المرجوة. أو ربما كنت تعمل على حل مشكلة ما لفترة طويلة.

على الرغم من كل الأقوال الشائعة حول أهمية العزيمة والإصرار والتصدي للمشاكل، إلا أنه من المهم معرفة متى يجب الابتعاد عن مشكلة لا يمكن إصلاحها أو حلها. كل شخص منا لديه قدر محدود من الوقت والطاقة يمكننا تكريسه للعمل الذي نقوم به. إن قضاء الوقت في المشكلات التي لا يمكن حلها يكلفنا ضياع الفرص والتعب النفسي.

لو أنني أدركت ذلك مسبقاً ربما ما كنت سأفكر في حل لطلاق والدي مثلاً ، لأن انفصالهما هو أمر لا يمكنني إصلاحه، وهو ليس ذنبي بالتأكيد.

هناك أشياء يمكن أن نفعلها ونسخر وقتنا لأجلها ونحن نعرف تماماً أنها ستؤدي لنتائج أفضل. كالتركيز على التحصيل العلمي وتوفير الدعم النفسي لمن حولنا ، قد يترك هذا آثاراً أفضل من محاولة إصلاح الزجاج المكسور .

اعرف الوقت المناسب للتخلي عن مشكلة بدلاً من الاستمرار في محاولة حلها، خاصة إذا كنت تعمل على هذه حل هذه المشكلة لفترة طويلة. هناك ميل لدينا حميعاً للاهتمام بالتفاصيل الصغيرة التي تكلفنا تكاليف هائلة – كالوقت والمال والطاقة التي نكرسها بالفعل للعمل على شيء ما. لكن هذه الموارد ستنفذ ، ولا يمكنك استعادتها. إذا لم يكن بذل جهد إضافي ومال إضافي ووقت إضافي سيساعدك في حل مشكلة ما ، فعليك الابتعاد عنها وتجاهلها ، بغض النظر عن تفاصيلها.

الأشخاص الأكثر سعادة في الحياة هم الذين يبرعون في تجاهل تلك المشاكل التي ستكلفهم كثيراً، هم بارعون في اتخاذ قرار الابتعاد عنها. بدلاً من إضاعة الوقت في الندم على الموارد “الضائعة”.

تعلم شيئاً جديداً من المشاكل:

المشاكل التي تواجهنا والصعوبات وعدم الرضا عنها، كل هذا هو أمر جيد في الواقع، لأن إدراكنا لهذه المشاكل هو الخطوة الأولى على طريق التغيير.

فبمجرد دخولك مرحلة الإدراك والوعي الحقيقي بمشكلتك، ستجد نفسك تكرس نفسك تماماً لحلها، وستجد نفسك تبحث عن الحلول والبدائل. وهذه أولى الخطوات على طريق التقدم.

كل مشكلة أو صدمة نمر بها هي بمثابة درس سنتعلم منه ونقدره ونأخذ منه عبرة تبلور شخصيتنا وتنقحها ، أنت تصبح على ما أنت عليه بسبب كل تلك الطرق التي سرت فيها وكل القصص التي تسمعها وكل التجارب التي تمر بها، خلاصة كل ذلك ومواقفك تجاه هذه التجارب ، هي التي تصنع منك إنساناً جديداً، لذلك ترى أغلب الناس يقولون، تألمت فتعلمت فتغيرت، وتجد الإنسان ينضج فجأة بعد دخوله سن الثلاثين، هذا النضج الفكري ليس بسبب ازدياد رقم سنوات عمره، بل بسبب مرور وقت طويل في التعلم واكتساب الخبرات ، مشاكلنا هي التي تصنعنا، فإذا كانت مشاكلك الكثيرة تحدد ما أنت عليه اليوم، فاعلم أن موقفك تجاهها يحدد ما ستكون عليه غداً.

كل الحب

ريم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *